كتابة: سارة الراجحي
بولونيا — رجل بلا اسم
جرت عادتي أن أبدأ زيارتي لأي مدينة أسافر إليها بمتحفها الأبرز، لكن في بولونيا لم تكن العادة وحدها ما قادني إلى ذلك. كان في المدينة نفسها ما يدفعك إلى التوغّل في دواخلها: تاريخها العريق، وأروقتها الممتدة كأنها ممراتٌ للزمن، وهمس القرون العالق في جدرانها، وأثر العقول الفذّة التي سكنتها، وخطى العابرين والحكايات التي لم تنقطع.
بين برجيها القائمين كأنهما يتساندان منذ الأزل، وتحت شفقها الذي يهبط برفق على الحجر والقرميد، تشعر بأن للزمن هنا كلمته. بولونيا لا تُبهر على عجل، بل تتسلّل إليك بهدوء. لا تمرّ بها فحسب، وإنما تستقرّ فيك شيئًا فشيئًا، وفي ذلك تكمن روعتها.
لم تسعَ المدينة إلى أن تكون متحفًا للثقافة والفنون والتاريخ، لكنها غدت، على نحوٍ ما، أرشيفًا لذاكرة حيّة؛ مدينة لا تحفظ الماضي خلف الأبواب، بل تتركه يتنزّه في أروقتها، ويتكلّم من خلال ما بقي منه. بدت لي بولونيا كأنها شيءٌ من الخلود.
لم أتوقع الكثير من متحف الفن الحديث MAMbo، غير أنه فاجأني بثقله الهادئ. المتحف لا يعرض فنون المدينة بوصفها موضوعًا للجمال فقط، بل بوصفها موضوعًا للتأمل والمساءلة، وهو فرقٌ ليس بسيطًا، لأن القاعة لا تدعوك لأن تُعجَب فحسب، بل لأن تقف وتتساءل وتتأمل وتبحث.
وما كان لهذا الثقل الهادئ أن يُفهم بمعزل عن تاريخ المدينة السياسي. فبولونيا كانت من أبرز ساحات العنف الفاشي المبكر، حين استهدفت فرق القمصان السوداء النقابات والحركة العمالية في شوارعها، في السنوات التي مهّدت لصعود الفاشية إلى السلطة. ثم رسّخت المدينة مكانتها بوصفها إحدى المدن ذات الحضور البارز في ذاكرة المقاومة ضد الاحتلال النازي والفاشية المتحالفة معه بين عامي 1943 و1945؛ وكأن الجرح القديم علّمها شيئًا عن ثمن الصمت. ثم عاد شبح العنف في زمن آخر، حين فجّر الإرهاب الفاشي الجديد محطة قطارها في الثاني من أغسطس 1980، فقتل خمسةً وثمانين شخصًا في لحظة واحدة، وأضاف إلى ذاكرة المدينة جرحًا جديدًا.
في قلب المتحف، وقفتُ أمام ثلاثة أعمال فنية شكّلت معًا حوارًا لا يُصرَّح به. في «جنازة تولياتي» (1972) منح ريناتو غوتوزو الحشد وجوهًا يمكن التعرّف إليها: لينين وغرامشي وسارتر وبرلينغوير وأنجيلا ديفيس وآخرون؛ أحياءٌ وأموات يجتمعون في مشهد متخيَّل حول نعش الزعيم الشيوعي، كأن اللوحة ترفض أن تموت الذاكرة بموت رجل. وعلى جدار آخر، يفعل فرانكو أنجيلي في «المسيرة» (1968) العكس تقريبًا: رايات حمراء ضخمة تطغى على المشهد، وأسفلها جماهير لا تكاد تكون سوى ظلال سوداء مجرّدة من الأسماء والوجوه؛ كأن الأيديولوجيا، حين تكبر أكثر مما ينبغي، قد تبتلع الإنسان الذي رفع رايتها. ثم يأتي جيلبرت وجورج في «النوم» (1991) ليضعا نفسيهما نائمَين في مقبرة، بوجهين مصبوغين بالوردي الصارخ وأحذية ملوّنة تتقدم المشهد. كأنهما يسألان، بعد أفول زمن الرايات الكبرى: ماذا يبقى غير الجسد؟ وإلى أين يذهب هذا الجسد في نهاية المطاف؟
غوتوزو منح الأيديولوجيا وجوهًا، وأنجيلي محا الوجوه وأبقى الرايات، و جيلبرت وجورج وضعا الجسد وحده في مواجهة الفناء. ثلاث لحظات فنية، وثلاثة مواقف، وسؤال يمتد من 1968 إلى 1991: ما الذي تفعله الأفكار الكبرى بالإنسان، وما الذي يبقى منه حين تنطفئ؟ المتحف لا يجيب؛ يكتفي بأن يُبقيك متأملًا في المسافة الممتدة بين الأعمال.

الفنان: ريناتو غوتوزو (Renato Guttuso، 1911–1987).
عنوان العمل: جنازة تولياتي (I funerali di Togliatti).
التاريخ: 1972.
مكان العرض: متحف الفن الحديث في بولونيا (MAMbo).

الفنان: فرانكو أنجيلي (Franco Angeli، 1935–1988).
عنوان العمل: الموكب (Corteo).
التاريخ: 1968.
مكان العرض: متحف الفن الحديث في بولونيا (MAMbo).

الفنانان: جيلبرت وجورج (Gilbert & George)
عنوان العمل: النوم (Sleeping)
التاريخ: 1991
مكان العرض: متحف الفن الحديث في بولونيا (MAMbo)
الصورة بوصفها أثرًا لا تمثيلًا
في إحدى غرف المتحف كانت الصور الأرشيفية هي المحور، وهو تحوّل في المادة لا في الموضوع، لأن السؤال ذاته قائم: كيف تحتفظ مدينة بذاكرتها حين تكون تلك الذاكرة ممتدة، ومتوترة، ومفتوحة على الجرح؟ أيضًا الانتقال من الزيت على القماش إلى الصورة الفوتوغرافية لا يغيّر وسيط العرض فحسب؛ بل يغيّر طبيعة المواجهة نفسها؛ فاللوحة تمنحنا مسافة جمالية نقف خلفها، أما الصورة الفوتوغرافية فتضعنا أمام لحظة كانت، أو ربما تزعم أنها كانت، حقيقية.
ثمة فرق أنطولوجي بين اللوحة والصورة؛ اللوحة تمثّل، وفعل التمثيل فيها إرادي، تدخله الوساطة والاختيار والرؤية الشخصية للفنّان طوال مساره؛ فالفنان يقرّر ما يُرى وما يُحجب، وأي اللحظات تستحق التخليد. غوتوزو، على سبيل المثال، اختار أن يضع غرامشي في المشهد رغم أنه مات قبل تولياتي بعقود، وهذا تدخل واعٍ في الواقع، واعتراف صريح بأن اللوحة تتخيّل لا تُسجّل. أما الصورة الفوتوغرافية فأثر بالمعنى المادي للكلمة: أثر تماسّ لا أثر تخيّل. ضوء انعكس عن وجه أو مكان أو جسد في لحظة بعينها، وترك علامته على مادة حساسة. ولهذا لا تقول الصورة، كما تقول اللوحة غالبًا: هذا ما بدا لي، بل تقول: هذا ما كان موجودًا.
لذلك يقول رولان بارت: «مرجع الصورة الفوتوغرافية ليس هو نفسه مرجعَ سائر أنظمة التمثيل. لا أسمّي مرجعًا فوتوغرافيًا ذلك الشيء المحتمل وجوده الذي تُردّ إليه صورة أو علامة، ولكن الشيء الموجود بالضرورة الذي وُضع أمام العدسة، والذي بدونه لما وُجدت الفوتوغرافيا... فالرسم يستطيع أن يصطنع الواقع دون أن يكون قد رآه، ويؤلِّف الخطابُ، بلا شك، بين علاماتٍ لها مراجع، إلا أن هذه المراجع قد تكون، بل غالبًا ما تكون وهمًا. وعلى نقيض هذه المحاكاة، لا أستطيع أبدًا في الفوتوغرافيا أن أُنكر أن ذلك الشيء كان هناك». وكانت سوزان سونتاغ قد مهّدت لهذا التمييز قبل بارت ببضع سنوات في كتابها The Image-World, in On Photography، حين وصفت الصورة بأنها أثر منقوش عن الواقع مباشرةً، كأثر القدم أو القناع الجنائزي[1]. وليست هذه الأثرية ضمانًا للحقيقة بالطبع؛ فالصورة قد تُقتطع وتؤطَّر وتُستعمل في التضليل. لكنها تمنحها سلطة خاصة علينا: نحن لا نرى فيها مجرد تمثيل، بل بقايا اتصال مادي بما كان حاضرًا يومًا ما.
ولعل هذه الصلة المادية بالموضوع هي مصدر الاستجابة الخاصة التي تنتاب المرء أمام الصور في المتاحف، ولا سيما الصور القديمة، وتجعل علاقتنا بها مختلفة نوعيًا عن علاقتنا بسائر الفنون. غير أن القِدم وحده لا يجعل الصورة أرشيفية بالمعنى الدقيق؛ فهي تغدو كذلك حين تُقتطع من لحظتها الأولى وتدخل نظامًا من الحفظ والتصنيف والاستدعاء: تُمنح رقمًا وملفًا وسياقًا وتاريخًا، وربما تُعرض لاحقًا بوصفها وثيقةً أو شاهدًا أو أثرًا جماليًا.
فالأرشفة لا تعني حفظ الصور فحسب، إنما تنقلها من استعمالها الأول إلى حياة ثانية. والصورة الأرشيفية المتحفية ليست سطحًا بصريًا فقط، إنما هي شيء مادي ينتقل بين أنظمة قيميّة/كيوريتورية متعاقبة: قد تُلتقط الصورة لغاية محددة، فتُحفظ كوثيقةً، ثم تُعرض أخيرًا كقطعةً متحفية. وفي كل محطة تُكتب لها هوية جديدة لا تمحو سابقاتها، بل تتراكم فوقها. وليست أيُّ محطة من هذه المحطات المعنى الحقيقيَّ الوحيد للصورة؛ لكن قد يجمّد الإطار الأنيق والإضاءة المتحفية والنص المقتضب سيرتها عند لحظة واحدة، ويحجب المحطات الأخرى وعلاقات القوة التي أحاطت بإنتاجها وحفظها وعرضها.
ربما هنا أيضًا تكمن مهابة الصور الأرشيفية: في ذلك الوعد بأن شيئًا من الماضي، الذي لم نشهده ولم يُروَ لنا بالكلمات، بقي عالقًا في الضوء. وأن الحدث، وإن لم يعُد، لم ينفصل عنها تمامًا؛ فهي أثر باقٍ منه، وجزء من حكايته.
في تلك الغرفة صورٌ بالأبيض والأسود، تظهر بولونيا في سبعينيات القرن العشرين في معترك تحولات ثقافية وسياسية عميقة، صعود حركات الشباب، انقسام الحركة بين اتجاهات أيديولوجية وأخرى ثقافية وفنية وتجريبية، وظهور أشكال ساخرة ومضادة من الصحافة والممارسة السياسية، الجامعة ميدانًا، والجدار منبرًا، والشارع مشرّعًا بديلًا، وليس عابرًا، في غمار هذا كله، حضورُ الجامعة التي تُقدَّم بوصفها أقدم جامعة في العالم الغربي، فالمدينة اعتادت أن تتكئ على إرثها العريق.

لوحة عرض متحفية عن احتلال جامعة بولونيا عام 1977، ضمن متحف الفن الحديث في بولونيا (MAMbo).
تتضمن اللوحة صورًا أرشيفية مرقّمة وإحالةً سياقيةً موجزة إلى الحركة الطلابية وتحوّلاتها السياسية والثقافية. تصوير: سارة الراجحي
الصور مرقّمة، مع إحالاتٍ مقتضبة. كنتُ أتأملها، حتى توقّف النظر أمام الصورة رقم (6)، يجلس رجلان في قاعة جامعية. الرجل الملتحي في المركز، يميل بجذعه إلى الأمام، رافعًا سبابته، كأنه في مواجهة، يداخل أو يعلّق أو يضبط إيقاع الكلام، قلت فورًا: يبدو أنه أومبرتو إيكو في شبابه، بينما يجلس أمامه رجل آخر بنظارات وشعر أشيب، منصتًا وأكثر هدوءًا. وخلفهما وجوه شابة وجدار يحمل كتابات عابرة. تبدو الصورة وكأنها توثق لا مجرد جلسة نقاشية، بل لحظة فكرية داخل اضطراب وأجواء مشحونة.

الصورة رقم (6) ضمن لوحة العرض المتحفية الخاصة بجامعة بولونيا التي احتلّها الطلاب، 3 مارس 1977.
مكان العرض: متحف الفن الحديث في بولونيا (MAMbo).
لا تذكر البطاقة المتحفية اسم المصوّر أو أسماء الأشخاص الظاهرين في الصورة.
كان ثمة نص خاص بالصورة يقول فقط: جامعة بولونيا التي احتلّها الطلاب، ٣ مارس ١٩٧٧، أي أن الصورة تشير لحدث طال الجامعة بشكل عام، لا وجهَ مَن فيها، وليست معنية به، ذلك الأكاديمي، السيميائي، الروائي، فيلسوف الجمال والقبح...الخ.
قرأتُ النص مرتين، وسألتُ السيدة المسؤولة عن الغرفة وبعض العابرين بجواري عن الرجل الذي يتوسط الصورة رقم (6)، هل هو أومبرتو إيكو؟ وأجابوا بعدم معرفتهم. كان وجه هذا الرجل بالنسبة لي ولحظات التعرف عليه يشبه ما يسميه بارت «البونكتوم»؛ الوخزة، ونقطة الجذب الحادة لي في الصورة دون الآخرين. هل بالغتُ في الاهتمام به؟ أم أن الغرابة ليست في اهتمامي، إنما في ثقتنا المسبقة بأن المتحف حين يعرض شيئًا فإنه يقول كل ما ينبغي قوله؟
غياب الجواب آنذاك صار مدخلًا لسياق آخر. فحين تُعلَّق صورة بلا معلومات، أو حين يُذكر السياق وتُترك الوجوه معلّقة بين التعريف والنسيان، لا تعود الصورة الأرشيفية مجرد شاهد على ماضٍ ما، بل تصير سؤالًا عن الماضي نفسه حين يُستعاد: من يملك تسميته؟ ومن يقرر ما نراه فيه؟ ومن يختار أهم ما يُسرد عنه؟ وما الذي يحدث للصورة حين تدخل المتحف؟
في بطاقة أخرى كبيرة جانبية وطويلة النص بعنوان: «١٩٧٧ في بولونيا» حضر اسم إيكو صراحة كصوتٍ مفسّر لزمن كان يعيشه ويحلله في آن واحد، المثقف في قلب مدينته المشتعلة، وأحد الأصوات التي حاولت أن تفهم ما يجري وهي داخله. تتحدث البطاقة عن تلك السنة الصاخبة: حركة الشباب، التشقق السياسي والثقافي، والمؤتمر المناهض للقمع، الذي جمع عشرات الآلاف من الشباب، والذي سجّل القطيعة النهائية بين المكوّنات المختلفة للحركة. كما تحدثت البطاقة عن «أسبوع دولي للأداء» وعروض ومسرحية مقدمة لتحويل العنف إلى وفاق، نصت البطاقة على أن أومبرتو إيكو لاحظ أن انتشار الثقافة الجماهيرية عبر وسائل الإعلام، إلى جانب الظروف التاريخية والاقتصادية، أدّيا إلى أن تتوقف الأنا المنقسمة، والذات المتشظّية، ومتلازمة اللاانتماء، وفقدان الهوية عن كونها هلوساتٍ تجريبية وإرهاصاتٍ غامضة، لتتحول إلى حالة نفسية واجتماعية لدى قطاعات واسعة من الشباب.
وأضافت البطاقة أن إيكو يرى أن الأمر الأكثر إثارة للاهتمام هو أن لغة الذات المنقسمة هذه، وهذا التكاثر للرسائل التي تبدو بلا شفرات، أصبحا مفهومَين تمامًا ومتداولَين لدى جماعات كانت حتى ذلك الحين بعيدةً عن الثقافة الرفيعة؛ جماعات لم تقرأ سيلين ولا أبولينير، وإنما وصلت إلى الكلمات عبر الموسيقى، والملصقات الجدارية، والحفلات، وموسيقى البوب. لقد كانت الثقافة الرفيعة تفهم لغة الذات المنقسمة جيدًا حين كانت تُتداول داخل المختبر، لكنها لم تعد تفهمها حين أصبحت الجماهير هي التي تتحدث بها.[2]
ربما كانت الصورة رقم (6) تعاني من فراغ توثيقي، وربما لم يكن إيكو مهمًا فيها كشخص، لكنه استُحضر كجزء من سردية أوسع عن احتلال جامعة بولونيا، وحركات الشباب، والانقسام بين السياسة المنظمة والجناح الإبداعي للحركة، وصعود لغة جديدة للشارع. فالمتحف إذن وضع الصورة ضمن سياق، وإن لم يُبالِ بتسمية من فيها، رغم أنه حين يربط اسمٌ بوجه في صورة أرشيفية فثمة أثر حقيقي وفارق، فكيف باسم من كان صوته شاهدًا ومفسرًا لجميع الصور!
الكيوريشن: سلطة الإطار
ثمة إغراء سهل حين ندخل قاعة المتحف: أن نتصوّر أنفسنا أمام شيء محفوظ بمعنى الصون المحايد. لكن الأرشيف/ المتحف لا يحفظ الصورة ويعرضها فقط، إنما يُعيد إنتاج شروط رؤيتها؛ يمنحها هوية محددة، ويصطنع لها سياقًا، قد يكون جديدًا، ويدعو إليها جمهورًا لم يكن حاضرًا في زمن التقاطها، وربما لم يكن في الحسبان أصلًا. وهذا الإنتاج ليس دومًا إضافةً بريئة، فأحيانًا يكون تدخّلًا تأويليًا قد يطال جوهر الصورة.
حين يختار المتحف صورةً ويضعها على جداره، فهو لا يعرضها فحسب، بل يحدد طريقة الاقتراب منها وكيفية رؤيتها. أندريه مالرو في مفهومه عن «المتحف الخيالي» (The Museum Without Walls,1949) كشف عن كيفية انتقال العمل من سياقه الأصلي إلى فضاء جديد من العرض والمقارنة لا يوسّع دائرة مشاهدته فحسب، بل يعيد تشكيل علاقته بالمتلقي ومعناه أيضًا؛ فالضوء، والمسافة، والترتيب، والنص المرافق، وحتى الصمت المحيط بالصورة، ليست عناصر محايدة، إنها أدوات تُوجّه المعنى قبل أن يكتمل فعل النظر. وفي حالة الصورة الأرشيفية، فالأمر يغدو أشد حساسية؛ لأنها لا تدخل المتحف محمّلة بقيم جمالية فقط، بل بتاريخ استعمال، وملكية، ونية أولى، وأشخاص لم يُستشاروا في شكل ظهورهم وخلودهم اللاحق.
قد يكون أبرز ما تشترك فيه المتاحف هو تحويل ما يدخلها إلى موضوعٍ للتأمل البصري، بعد عزله، بدرجات متفاوتة. عن كير من سياقاته الأصلية. ضَع أي مادة أو عمل أو قطعة في منطقة عرض فيه، وستُقرأ فنًّا، مهما كُتب في بطاقتها، وهذا الأثر المتحفي قد يكون سلاحًا ذا حدّين؛ فهو إغناء يمنح الأشياء انتباهًا لم تَنلْه، أو سلبٌ يجتزئ حكايتها الكاملة أو وظيفتها ومعناها الحيّ. وقد منحت سوزان سونتاغ جذور هذا النقاش حدةً نقدية أكبر حين نبّهت إلى أن الصورة ذاتها لا تنقل الواقع كما هو؛ بل تنتقيه وتؤطّره، حتى أن صور المعاناة حين تُدرَج في سياق جمالي أو مؤسسي قد تحوّل الشاهد إلى متفرج، والألم إلى موضوع قابل للاستهلاك. والمشاهد عادةً لا يرى الإطار، لكنه يرى الصورة من خلاله. وهذه هي قوة القيّمية / الكيوريشن Curation وخطورته في آن واحد.
يذهب جاك رانسيير أبعد من ذلك في حديثه عن «توزيع المحسوس» The Politics of Aesthetics: The Distribution of the Sensible (2004). إلى أن المؤسسات لا تقرر فقط ما يُعرض وما يُحجب، بل تشارك في تحديد ما يصبح مرئيًا، وما يُمنح معنى، ومن تُستعاد ذاكرته ومن تبقى ذاكرته خارج مجال الرؤية. وفي حالة الصورة الأرشيفية تصبح هذه المسألة أثقل، لأن الصورة تحمل وهم الموضوعية: المشاهد يميل إلى تصديق ما التقطته العدسة بطريقة لا يصدق بها ما رسمته اليد، ويميل إلى تصديق سائر ما يقوله الأرشيف والمتحف عن هذه الصور. وهو ما كان فوكو قد هيّأ له الأرضية بمفهوم «التشكيل الخطابي»: فما يُقال وما يُسكَت عنه لا يحكمه منطق الحقيقة والكذب، بل شروط المؤسسة التي تحدّد ما يمكن قوله في حقبة بعينها.
هنا يمكن النظر إلى الأرشيف عمومًا لا بوصفه حِرزًا جميلًا ومحايدًا للذاكرة، بل بوصفه نظام اعتراف وإقصاء: يعترف ببعض الصور، ويؤجل بعضها، ويصمت عن أسماء من بداخلها، ويترك للمشاهد أن يملأ فراغات قد تكون جوهرية لا عرضية. وهذا ليس حكم ناقدٍ من خارج الأسوار. فيرن هاريس مثلًا - الأرشيفي الذي عمل في مصلحة أرشيف الدولة في جنوب أفريقيا إبّان نظام الفصل العنصري، وشهد كيف أتلفت أجهزتها أطنانًا من السجلات في سنواته الأخيرة، محاولةً طمسَ الأدلة قبل أن يسقط النظام - يصف الأرشيف بأنه «شظيةٌ من شظيةٍ من شظية»: فالواقع لا يُسجَّل منه إلا جزء، والمسجَّل لا يُحفظ منه إلا جزء، والمحفوظ لا يُعرض منه إلا جزء، وكل طبقة من هذا الاجتزاء محكومة بسلطة ما. ولذلك يرى أن حياد الأرشيفي ليس موقفًا ممكنًا تخلّينا عنه، بل وهمٌ يخدم دائمًا الطرف الأقوى.
وفي سياق المتاحف نتحدث عن شظايا أشد من شظايا الأرشيف، وفي ضوء ذلك، لا يكون غياب اسم الرجل في الصورة رقم 6 تفصيلًا تقنيًا، إنما تجليًّا لسؤال أكبر: حين لا يخبرنا المتحف من في الصورة وهو يعلمه، هل يحرر الصورة من سلطة الاسم، أم ينتزع طبقة من معناها؟ وحين يؤثر وضعها ضمن سياق عام، هل يشرحها، أم يذيب خصوصيتها في عنوان أكبر؟
من الوثيقة إلى الأثر الجمالي
الصورة الأرشيفية لا تكشف معناها من داخلها وحدها؛ فالمعنى يتبدّل بتبدّل النظام الذي يحتضنها. قد تُلتقط الصورة لأغراض إدارية، أو توثيقية، أو تذكارية، أو جنائية، أو سياسية، أو استعمارية... ثم تعود بعد عقود داخل المتحف بوصفها إرثًا إنسانيًا جماليًا، أو عملًا في سياق فني. الصورة نفسها لم تتغير، لكن علاقتنا بها تغيرت جذريًا.
تقدم صور الكومونة الباريسية مثالًا صارخًا على ذلك. ففي ربيع 1871 وثّق عدد من المصورين مشاهد الكومونة: الباريكادات، المشاركون، آثار العنف، والمدينة وهي تعيش واحدة من أكثر لحظاتها السياسية اضطرابًا. غير أن بعض هذه الصور لم يُقرأ في حينه بوصفها وثائق تاريخية وذاكرة إنسانية بالمعنى الذي نمنحه لها اليوم، كونها استُخدمت في سياقات ضبط وملاحقة؛ فقد التُقطت صورٌ للكومونيين المعتقلين في سجون فرساي بعد قمع كومونة باريس، وأُرسلت صور لمتمردين هاربين إلى نقاط حدودية لتسهيل التعرف عليهم. أي أن الصورة آنذاك كانت سلاحًا ووثيقةَ ملاحقة، ولم تكن غرضًا عفويًا وتوثيقًا بريئًا. المتاحف لم تغير صور الكومونة نفسها، لكنها غيرت علاقتنا بها: نقلتها من ملف الضبط إلى فضاء التأمل، ومن وثيقة اتهام ومحاكمة إلى مادة للتاريخ. وهذا التحول ليس تفصيلًا جماليًا، بل إعادة توزيع للسلطة على المعنى. وهذا الازدواج بين ما كانت عليه الصور الأرشيفية وما آلت إليه في المتاحف، كثيرًا ما سيُلحظ عند مشاهدتها وتأملها.

العنوان: «سجن الشانتييه، فرساي، 15 أغسطس 1871»
المصوّر: إرنست أوجين أبير (Ernest Eugène Appert، 1831–1891)
التاريخ: 1871
التقنية والنوع: طبعة فوتوغرافية
مكان الحفظ: متحف المتروبوليتان للفنون، نيويورك
الحقوق: ملكية عامة، متاحة ضمن سياسة الوصول المفتوح
الوصف: سجينات الكومونة في معتقل فرساي المؤقت؛ جمع أبير بين دور المصوّر التجاري ودور عين السلطة.

.«العنوان: «عمود فاندوم محطّمًا
المصوّر: فرانك (فرانسوا-ماري-لويس-ألكسندر غوبينيه دو فوجوليه)
التاريخ: 1871
التقنية والنوع: طبعة فوتوغرافية
مكان الحفظ: متحف المتروبوليتان للفنون، نيويورك
الحقوق: ملكية عامة، متاحة ضمن سياسة الوصول المفتوح
الوصف: حطام عمود فاندوم في الساحة بعد إسقاطه في 16 مايو 1871؛ تحوّل الرمز النابليوني إلى ركام.
أعمال «أوجين أتغيه» مثال آخر على ما تنطوي عليه العلاقة من تحول، والمعنى من تبدل؛ جاب أتغيه شوارع باريس القديمة بين أواخر القرن التاسع عشر حتى عام 1927، حاملاً كاميرته وصبره الطويل، ليصوّر مدينة تتبدل تحت ضغط التحديث وإعادة التنظيم العمراني. وقدّم كثيرًا من صوره على أنها «وثائق للفنانين»، أي مراجع بصرية للاستعمال، لا أعمالًا فنية بالمعنى المتحفي اللاحق. لكن التفات السرياليين إلى صوره في عشرينيات القرن الماضي، وما رآه مان راي ومن حوله في صوره من الغرابة الصامتة، والزوايا المظلمة، والوجوه المهملة، منح صوره بعدًا آخر، ثم جاءت المتاحف والمجموعات الكبرى لتمنحها حياة جديدة: من وثيقة استعمالية إلى أثر جمالي وتاريخي. يحتفظ متحف أورساي، مثلًا، بألبومات من أعمال أتغيه، من بينها ألبوم يضمّ عشرات الصور لحي سان-سيفران. والزائر الذي يقف أمام هذه الصور لا يرى فقط ما أراد أتغيه تثبيته من باريس القديمة، بل يرى أيضًا ما يصنعه المتحف عبر الترتيب والشرح والإضاءة وسياق العرض: شعرية الزمن الضائع، ورهبة المكان الخالي، وجمالية الهامش. الصورة لم تتغير، لكن الإطار الذي يصوغ رؤيتنا تغيّر.

«العنوان: «شارع القساوسة سان-سيفران (Rue des Prêtres-Saint-Séverin)
المصوّر: يوجين أتجيه (Eugène Atget، 1857–1927)
التاريخ: بين 1898 و1927؛ رقم نيجاتيف أتجيه: 3663
التقنية والنوع: طبعة على ورق ألبوميني من نيجاتيف زجاجي
مكان الحفظ والعرض: متحف أورساي، باريس؛ إيداع من المكتبة الوطنية الفرنسية، قسم المطبوعات والتصوير، 1986
الوصف: منظر للشارع المحاذي لكنيسة سان-سيفران من ألبوم الحي. وثّق أتجيه الشارع الواحد من زوايا متعددة.

العنوان: «زقاق سالمبريير، شارع سان-سيفران» (Impasse Salembrière, rue Saint-Séverin)
المصوّر: يوجين أتجيه (Eugène Atget، 1857–1927)
التاريخ: بين 1898 و1927؛ رقم نيجاتيف أتجيه: 3603
التقنية والنوع: طبعة على ورق ألبوميني من نيجاتيف زجاجي بالجيلاتين وبروميد الفضة
الأبعاد: 21.6 × 18 سم. رقم الجرد: DO 1986 48
مكان الحفظ والعرض: متحف أورساي، باريس؛ إيداع من المكتبة الوطنية الفرنسية، قسم المطبوعات والتصوير، 1986
الوصف: زقاق ضيق خالٍ من المارة في قلب الحي اللاتيني؛ نموذج لتوثيق الأزقة المهددة بالزوال.

«العنوان: «الزونيون، بوابة إيطاليا (Zoniers, porte d’Italie)
المصوّر: يوجين أتجيه (Eugène Atget، 1857–1927)
التاريخ: 1913
التقنية والنوع: صورة وثائقية من سلسلة أتجيه عن «المنطقة» المحيطة بتحصينات باريس
الوصف: عربة سكنية ومشهد من أطراف باريس؛ وثّق أتجيه مساكن الفئات الهامشية والمهن المرتبطة بجمع المخلفات

العنوان: «مسكن جامع مخلفات، بوابة إيفري، منطقة التحصينات» (Maison de chiffonnier, porte d’Ivry, zone de fortifications)
المصوّر: يوجين أتجيه (Eugène Atget، 1857–1927)
التاريخ: نحو 1910
التقنية والنوع: طبعة فوتوغرافية وثائقية
مكان الحفظ: متحف كارنافاليه - تاريخ باريس (Paris Musées)
الوصف: مسكن مؤقت شُيّد من مواد مستعادة في أطراف باريس.

«العنوان: «جامع المخلفات» (Chiffonier)
المصوّر: يوجين أتجيه (Eugène Atget، 1857–1927)
التاريخ: مطلع القرن العشرين
التقنية والنوع: طبعة فوتوغرافية
مكان الحفظ: متحف ج. بول غيتي، لوس أنجلوس
الوصف: رجل يجر عربةً محمّلةً بالأكياس والمخلفات في أحد شوارع باريس؛ من صور أتجيه للمهن الشعبية.

«العنوان: «جادة غوبلان (Avenue des Gobelins).
المصوّر: يوجين أتجيه (Eugène Atget، 1857–1927).
التاريخ: 1925.
التقنية والنوع: طبعة فوتوغرافية.
مكان الحفظ والعرض: متحف الفن الحديث (MoMA)، نيويورك؛ مجموعة أبوت-ليفي، اقتُنيت عام 1968؛ عُرضت ضمن قاعة «آلات وعارضات ووحوش» (2019–2020).
الوصف: عارضات أزياء خلف واجهة متجر تتداخل مع انعكاسات الشارع؛ من الصور التي احتفى بها السرياليون.
غير أن ثمة سؤالاً يلحّ: ماذا يحدث لهذا الأثر حين يُنتزع من سياقه الأصلي ويوضع في سياق جديد؟ وثائق أتغيه لم تُصنَع لتكون فنًّا، وصور الكومونة لم تُصنَع لتكون شهادة إنسانية، لكن المتحف هو من أعاد صياغة سياقهما الحالي. ربما في هذه الصياغة يكمن التوتر الذي يجعل الصورة الأرشيفية في المتاحف والمعارض كيانًا فريدًا: شيء يتجاوز ما التقط من أجله، ويقاوم التعريف الأحادي الذي يُراد له. كيان متعدد الحيوات، يتبدل مع كل يد تمسكه: يد المصور، يد المؤرشِف، يد القيّم، وعين الزائر.
ما تبقى من الضوء
كان والتر بنيامين مسكونًا بفكرة أن الفوتوغرافيا اخترعت نمطًا جديدًا من العلاقة مع المرئي. في مقالته عن التاريخ الصغير للتصوير يتحدث عن «البصري اللاواعي»: تلك القدرة التي تتيح للآلة أن تلتقط ما لا تلتقطه العين الواعية، الحركة في جزء من الثانية، والتفصيلة التي تقع في هامش الانتباه، والحالة العابرة التي لا يدركها الوعي إلا بعد فوات أوانها. وهذا يعني أن كل صورة تحمل معرفةً قد تتجاوز نية من التقطها.
غير أن الصورة الأرشيفية تنطوي على أكثر من فائض اللحظة؛ فيها ثلاثة أزمنة لا تتطابق ولا تذوب في بعضها: زمن الالتقاط، اللحظة التي ضغط فيها المصوِّر على الغالق؛ وزمن الأرشفة، حين خضعت الصورة للتصنيف والتسمية والوصف والتنظيم؛ وزمن العرض، اللحظة التي يقف فيها المشاهد اليوم أمام الصورة محمَّلًا بأسئلته وحساسياته وما تراكم لديه من معرفة.
وما يحدث في زمن العرض المتحفي أن الزمنين السابقين قد يُختزلان في زمن واحد: زمن الجدار الأبيض، والإطار، والإضاءة المحسوبة، والنص المختصر. المشاهد لا يرى الطبقات الثلاث دفعة واحدة؛ يرى ما أُتيح له أن يراه. وهنا لا يعود الكيوريشن مسألة ترتيب بصري، بل مسألة سياسية ومعرفية: ما الذي نُبقيه ظاهرًا؟ وما الذي نتركه خلف الصورة؟
ولهذا السؤال وجهٌ آخر عند بارت. ففي «الغرفة المضيئة» يوزّع الفعل الفوتوغرافي على ثلاثة: المشغّل الذي يلتقط، والمشاهد الذي ينظر، والمصوَّر الذي يسميه «الطيف Spectrum»، وهي كلمة يلتقط بارت في أصلها اللاتيني قرابةً مزدوجة: بالشبح من جهة، وبالفُرجة Spectacle من جهة أخرى. فالمصوَّر يتحول، في لحظة انطباق الغالق، إلى موضوعٍ في الوقت ذاته الذي يُخلَّد فيه. وحين يدخل هذا الطيف إطار المتحف تتضاعف الموضعة: يصبح مادة معرفة، وموضوع نظر، وربما قيمة جمالية أو استثمارًا ثقافيًا. والطيف وحده، في الأزمنة الثلاثة كلها، من لا صوت له.
الفوتوغرافيا في جوهرها التقني آلية ضوء: فوتون ينعكس عن سطح، يخترق عدسة، يُحدث أثرًا على مادة حساسة. الضوء الذي رسم وجه الرجل الجالس في تلك القاعة البولونية قد انقضى؛ هو وذلك الصباح وتلك القاعة بثقلها السياسي الحيّ آنذاك. لكن الأثر الذي خلّفه لا يزال موجودًا، يمثل أمامنا على الجدار في متحف مدينة لا تكفّ عن استدعاء ماضيها.
هذا ما تصنعه الصورة الأرشيفية: تُثبت أن الزمن ليس تدفقًا رتيبًا في اتجاه واحد؛ فيه نقاطٌ تقاوم الاندثار وتعيد بثّ أثر ضوءٍ قديم في لحظةٍ لم تتوقعه. والمتحف، حين يعمل في أفضل أحواله، لا يُقدّم هذا الضوء محايدًا، بل يفتح له ممرات وتأويلات، ويحفّز لأسئلة لا تنتظر الإجابة السريعة.
هنا تصبح تجربة المشاهد أمام الصورة الأرشيفية تجربةً أخلاقية قبل أن تكون جمالية - أو ربما هي أخلاقية لأنها غدت جمالية - من يقف أمام صورة إنسان لم يختر أن يُخلَّد بهذه الطريقة يتحمّل مسؤولية النظر، وهذه المسؤولية لا تعني إلغاء المتعة الجمالية، إنما تعني حمل المتعة وهي مُثقَلة بوعي ثمنها. فالمشاهد لا يقف موقف القارئ الذي يتلقى رسالة مؤلف ويحللها، بل موقف الشاهد الذي استُدعي بعد فوات الحدث، ولا يملك في يده غير أثر أفلت من النسيان. وما دام الأرشيف لا يحفظ إلا ما قرر أحدٌ، في لحظة ما، أنه يستحق الحفظ، فإن النظر إلى الصورة لا ينفصل عن سؤال السلطة التي حفظت، واليد التي اختارت، والاسم الذي غاب، والصمت الذي تُرك للمشاهد كي يفسّره.
والتجربة الجمالية الأبرز للصورة الأرشيفية لا تكمن في الإطار، ولا في تقنية الطباعة، ولا في الاصفرار الذي يمنحها سمة العتاقة؛ هي تكمن في هذا التوتر الدائم غير القابل للحسم: بين ما كانت الصورة وما أصبحت، بين ما حملته نية من التقطها وحفظها وعرضها وما نحمله حين نتلقّاها، بين الإنسان الذي كان موضوعها يومًا ما والمؤسسة التي تحتضنها اليوم. هذا التوتر هو ما يجعلها حيةً بمعنى لا تملكه اللوحة التشكيلية مهما بلغ إتقانها — لا لأنها أصدق، بل لأنها تحمل أثرًا لا يمكن عزله تمامًا عن العالم الذي جاء منه. ونحن، الشهود المتأخرون الذين نصل إلى الصورة بعد أن يكون الحدث قد تمّ والأشخاص قد ابتعدوا أو رحلوا، نحمل دينًا تجاه وجودها: لا دين امتنان فقط، بل دين مسؤولية. أن نسأل ولا نكتفي بالإعجاب، وأن نتساءل عن سياق ما نرى قبل أن نستسلم لجماله.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع
دريدا، جاك. حمّى الأرشيف الفرويدي. ترجمة عدنان حسن. اللاذقية: دار الحوار للنشر والتوزيع، 2003.
.بارت، رولان. الغرفة المضيئة. ترجمة هالة نمر وأنور مغيث. القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2010.
سونتاغ، سوزان. حول الفوتوغراف. ترجمة عباس المفرجي. بيروت: دار المدى للثقافة والنشر، 2013.
André Malraux, Museum Without Walls, trans. Stuart Gilbert and Francis Price (London: Secker & Warburg, 1967).
Benjamin, Walter. “A Short History of Photography.” 1931.
Benjamin, Walter. “The Work of Art in the Age of Mechanical Reproduction.” In Illuminations, edited by Hannah Arendt, translated by Harry Zohn. New York: Schocken Books, 1969.
Sontag, Susan. Regarding the Pain of Others. New York: Farrar, Straus and Giroux, 2003.
Foucault, Michel. The Archaeology of Knowledge and the Discourse on Language. Translated by A. M. Sheridan Smith. New York: Pantheon Books, 1972.
Rancière, Jacques. The Politics of Aesthetics: The Distribution of the Sensible. Translated by Gabriel Rockhill. London and New York: Continuum, 2004.
Malraux, André. Museum Without Walls. Translated by Stuart Gilbert and Francis Price. London: Secker & Warburg, 1967.
Eco, Umberto. Faith in Fakes: Travels in Hyperreality. Translated by William Weaver. London: Minerva, 1995.
Harris, Verne. Archives and Justice: A South African Perspective. Chicago: Society of American Archivists, 2007.
[1] القناع الجنائزي أو قناع الموت: قالبٌ يُشكَّل مباشرة على وجه المتوفى، عادةً من الجص أو الشمع، للاحتفاظ بأثر ملامحه. وتستحضره سونتاغ هنا للتأكيد على أن الصورة الفوتوغرافية ليست مجرد تمثيلٍ للواقع، بل أثرٌ ناتج عنه بصورة مباشرة.
[2] الإحالة هنا إلى: أومبرتو إيكو، «المختبر في الساحة»، ضمن كتاب سبع سنوات من الرغبة، بومبياني، ميلانو، ١٩٨٣.

