اللوحات الأصلية التي نحبها

single

فوز الجميل

 

«في كل تزويرٍ شيءٌ أصيل» - فيرجيل أولد مان، فيلم العرض الأفضل، (٢٠١٣).

هكذا قال أولد مان بطل فيلم العرض الأفضل، فماذا نعرف عن اللوحات الأصلية؟ وكيف نميز المنسوخ منها أو المزور؟ ولا نقع فريسة سهلة للمتاحف والمعارض التي تعرضها حول العالم؟ لطالما كان هذا سؤالًا صعبًا وجدليًا للمشاهد البسيط والهاوي لمثل هذه الأعمال الخالدة. 

أُتيحت لي الفرص لأزور متاحف كثيرة تحوي لوحات أصلية لفنانين منذ قرون بعيدة من الشرق والغرب، إن صحّت هذه التسميات، فلا الشرق شرق تمامًا ولا الغرب غرب تمامًا كما يقول درويش في مرثيته لإدوارد سعيد. شاهدتُ أعمالًا لفنانين أوروبيين لطالما رأيناها ودرسناها في مدارسنا التي يسيطر عليها الفنّ الأبيض الأوروبي، كأعمال بيكاسو وفان جوخ، دالي، دافنشى، وغيرهم. ورأيت كثيرًا من التراث الشرقي والإسلامي والعربي المسروق أثناء فترات الاستعمار والحروب في تلك المتاحف، ذلك الإرث الفنيّ الذي تكاد تخلو منه مناهجنا الفنية المتأثرة بالاستعمار الفكري الأوروبي. 

مما أثار اهتمامي في تلك الجولات هو أنني كنت في بعض الأحيان أجد لوحة في متحف هارفارد في بوسطن، ثم أجد اللوحة ذاتها في متحف جيتي في لوس أنجليس، فأُرسل صورها لصديق متسائلةً عن الأصل والنسخة، فيخبرني أنه رآها أيضًا في متحف في هولندا! أجدني حينها أفتح محرك البحث باحثة عن سبب ذلك، أي واحدة منها الأصلية؟ وكم نسخة أنجز الفنان من هذه القطعة؟ أم هي نسخة مقلدة؟ 

عرفت لاحقًا أنه من الممكن أن تكون بعض اللوحات -الشهير منها تحديدًا -من نسخ متعددة قام بها الفنانون أنفسهم. فعلى سبيل المثال، لوحة الموناليزا الشهيرة التي رسمها ليوناردو دافنشي، ولكن منها كذلك إصدارات أو نسخ أخرى عديدة تختلف عنها اختلافات طفيفة رسمها ليوناردو أو مساعدوه. حسب المصادر التاريخية رسم ليوناردو دافنشي وطلابه أربع نسخ مختلفة من لوحة الموناليزا على الأقل. لكن الشيء الذي نعرفه جميعًا موجود في متحف اللوفر في باريس، فرنسا. ويمكن العثور على اللوحات الأخرى في متحف برادو في إسبانيا، وفي بعض المجموعات الأخرى الخاصة في متاحف غيرها. قادتني تلك الرحلة وتلك التساؤلات والبحث إلى ما سأسرده هنا في هذه المقالة من إجابات على ما بدأته من أسئلة حول هذا الموضوع. 

النَسخ والمحاكاة  

«عند محاكاة عمل شخص آخر، لا يستطيع المزور مقاومة إغراء وضع شيء خاص به. غالبًا ما يكون تفصيلٍ تافه، غير مهم، أو ضربة واحدة غير متوقعة، ينتهي بها المطاف إلى خيانة المزور حتمًا لنفسه، وكشف أحاسيسه الحقيقية تمامًا». يقول أيضًا فيرجيل أولد مان، في فيلم العرض الأفضل، (٢٠١٣). 

بالشكل القانوني تُستنسخ بعض أشهر اللوحات الفنية الأصلية في العالم بأشكال مختلفة وبجودة عالية، مثل تلك التي نراها في المطبوعات والملصقات والنسخ الرقمية. غالبًا ما تُصنع هذه النسخ بغرض جعل العمل الفني متاحًا على نطاق أوسع للجمهور. ومع ذلك، نلاحظ أن هذه النسخ تنشر مع تنويهٍ بأنها لا تعتبر لوحات أصلية، وليس لها القيمة أو الجودة الفنية أو الأهمية نفسها التي تكون للوحات الأصلية.

قد توجد أيضًا نسخ قانونية من اللوحات الأصلية الشهيرة وهي اللوحات التي رسمها فنانون آخرون، صنعت لتكون وسيلةً للدراسة والتعلم من العمل، أو صُنعت بطرق معاصرة مثل ما فعل آندي وارهول حين أعاد رسم الموناليزا عام ١٩٦٣ بطريقة طباعة الشاشة. في حالات أخرى، تُصنع هذه النسخ المواد والوسائل المستخدمة في اللوحة الأصلية، ومهما كان تطابقها قريبًا مع اللوحة الأصلية فإنها تختلف اختلافًا كبيرًا من حيث الجودة والدقة، ولا تُعد هذه النسخ عادةً بذات قيمة اللوحات الأصلية في الأوساط الفنية، إذن أن روح الفنان الأصلي فيها ما لا يمكن نسخه ولا تقليده، ونراه جليًا في لوحته الأصلية. 

تجدر الإشارة هنا أن الوثائق التاريخية ذكرت أن بعض اللوحات -بالأخص تلك القديمة جدًا أو التي رسمها فنانون مشهورون- ربما نُسخت أو أعيد إنتاجها في الفترات التاريخية ذاتها التي عاش فيها الفنانون، فنسخت دون إذنه أو إذن مالك اللوحة الأصلية. مما عرف منذ ذلك الحين بأنه احتيال فني وتزييف يعاقب عليه القانون في العديد من البلدان. من نسخ اللوحات الأصلية أيضًا ما صُنع لأغراض تجارية، مثل أعمال آندي وارهول خصوصًا لوحة صورة الفنانة مارلين مونرو ١٩٦٧ التي نسخت واستخدمت كثيرًا مع انتشار فن البوب والإعلان في ستينات القرن العشرين.  

وفي ختام حديثنا هنا عن تعدد نسخ اللوحات الأصلية، فإن أهم النسخ للأعمال الأصلية والتي تكون معتبرة وذات قيمة تاريخية هي اللوحات التي نسخها الفنانون أنفسهم لأغراض عديدة. من الأمثلة على هذه اللوحات ذات النسخ المتعددة: اللوحة الأيقونية التي رسمها فنسنت فان غوخ، «ليلة النجوم» (١٨٨٩)، والتي تصور المنظر من نافذة فان غوخ في ملجأ سانت ريمي دو بروفنس في فرنسا. ابتكر الفنّان عدة نسخ من هذه اللوحة، بما في ذلك واحدة موجودة الآن في متحف الفن الحديث في مدينة نيويورك، ومنها إصدارات أخرى عديدة، كالموجودة في متحف فان جوخ في أمستردام، بالإضافة إلى نسخٍ أخرى في المعرض الوطني للفنون في واشنطن العاصمة بالولايات المتحدة، ومتحف ناثيونال ثنترو دي آرتي رينا صوفيا في مدريد بإسبانيا، ومعهد الفنون في شيكاغو بالولايات المتحدة.

مثال آخر هي لوحة «الصرخة» لإدوارد مونش حيث تصور هذه اللوحة الشهيرة دوامة لشخصية تجريدية ذات تعبيرات مؤلمة على خلفية من الأشكال والخطوط الملونة. صنع مونش أربع نسخ من هذه اللوحة، بما في ذلك واحدة سُرقت من متحف في النرويج عام ١٩٩٤ واستُعيدت لاحقًا. النسخة الأصلية من الصرخة موجودة الآن في مجموعة متحف مونش في أوسلو، النرويج. بينما توجد نسخها التي صنعها مونش، بما في ذلك نسخة باستيل، في مجموعة المعرض الوطني في أوسلو وأخرى في مجموعة متحف الفن الحديث في نيويورك. 

الأصالة

 

A painting on a wall

Description automatically generated with medium confidence

ساقية الحليب، ١٦٥٨. 

لطالما كانت اللوحات أحد مصادر التعلم، أتذكّر أنني وقفت أمام لوحة "ساقية الحليب" (١٦٥٨) ليوهانس فيرمير في متحف ريكلز بهولندا لأتعلم كيف خُلق ذلك الظل والنور فيها. وقفت أيضًا أمام المنمنمات الفارسية في متحف الميتروبوليتان لأتعلم عبقرية صنع قصة كاملة مصورة بالخطوط الشعرية والمشاهد لأساطير وروايات شعبية في لوحة ورقية صغيرة ملونة بالذهب والبرادخت الذي يخلق الحياة فيها. تعلّمت أن أصالة العمل الفني تأتي من قدرة الفنان الأولى على الابتكار، وحين يبتكر العمل الجميل يمكن محاكاته أو نسخه، لكن يستحيل خلقه مرة أخرى وقد خُلق من قبل.

في عالم الفنّ غالبًا ما يُفرَّق بين اللوحات الأصلية والمقلدة عبر البحث في مسألة الأصالة. اللوحة الأصلية هي عمل أنشأه الفنان نفسه، بينما اللوحة المقلدة هي نسخة أو استنساخ لعمل أصلي. ثمة طرق عديدة لتحديد أصالة اللوحة، أولها الخبرة، إذ يمكن لخبراء الفن، مثل أمناء المتاحف وتجّار الفن والمتخصصين في دُور المزادات، في كثير من الأحيان تحديد أصالة اللوحة بناءً على معرفتهم بأسلوب الفنان وتقنياته ومواده. ابتكر البروفيسور جون أسموس من جامعة كاليفورنيا التكنولوجيا التي تمكّن من التعرف على الفنانين بدقة كبيرة من خلال ضربات الفرشاة حيث أصبح من الممكن الآن علميًا إثباتُ أن «عذراء الصخور» لدافنشي ١٤٨٥ على سبيل المثال يوجد منها نسختين، واحدة منهما في متحف اللوفر اليوم.  ثانيًا، التوثيق، حيث قد تأتي اللوحات الأصلية مع وثائق، مثل سجلات ملكية أو بيع، والتي يمكن أن تساعد في إثبات أصالتها.

تحدد أصالة اللوحات الفنية أيضًا عبر التحليل العلمي حيث يمكن استخدام التقنيات العلمية الحديثة، مثل التصوير الشعاعي، وتحليل الصبغ، لفحص المواد والتقنيات المستخدمة في اللوحة والمساعدة في تحديد ما إذا كان عملًا أصليًا. وأخيرا، مقارنة هذه الأعمال مع الأعمال الأخرى حيث يمكن أن تساعد أيضًا مقارنة لوحة مع الأعمال الأصلية المعروفة للفنان نفسه في تحديد أصالتها. ثمة طرق كثيرة يكشف بها عن ذلك وآلياتها محمية في كثير من البلدان ضمن حقوق الطباعة والنشر. من الجدير أيضًا ذكره أن بعض اللوحات الأصلية قد خضعت لدرجة معينة من أعمال الترميم أو الصيانة، والتي قد لا تكون واضحة على الفور. مثال على ذلك، في ٢٠١٩ أطلق الباحثون والمرممون في متحف ريجكس بأمستردام مشروعًا باستخدام أسلوب التصوير عالي التقنية لإلقاء ضوء جديد على لوحة رامبرانت «فان راين» التي تعود إلى القرن السابع عشر. حسب المصادر التاريخية خضعت اللوحة لعملية ترميم كبيرة منذ 40 عامًا بعد أن قطعها رجل يحمل سكينًا وبدأت تظهر أجزاء بيضاء في أجزاء من قماش اللوحة. في مثل هذه الحالات، من المهم أن يكون المشاهد على دراية بتاريخ اللوحة وأي أعمال ترميم نُفِّذت عليها.

 

العرض

 

A close-up of some flowers

Description automatically generated with medium confidence

ماغنوليا، ١٩٤٥. 

 

«أرسم الزهور حتى لا تموت».  فريدا كاهلو. 

عرفت فريدا كاهلو أن أزهارها لن تموت طالما وُجد المتحفّ. وعرف سلفادور دالي حين قال: «أيها الرّسام، أنت لست متحدثًا! ارسم فقط وابقَ صامتًا!». فالمتحف سيظلّ يحفظ كلماته الصامتة وينقلها عبر التاريخ. ليست الغاية من المتاحف العرض فقط، العرض أكثر من مجرد إظهار لوحة، المتحف هو المحكمة التي نجد فيها كل قضايا التاريخ، والغرض من المتحف حفظ تلك الأفكار التي تشغل الفكر في كل اللوحات الأصلية المعلّقة على جدرانه. 

وبالحديث عن وجود اللوحات الأصلية في المتاحف فكما هو معروف، تعرض في المتاحف والمعارض والأماكن العامة الأخرى حول العالم لوحات أصلية عديدة، وعرض اللوحات الأصلية يتوفر في مجموعة متنوعة من المواقع اعتمادًا على موضوعها وأسلوبها ومصدرها. تشمل بعض الأماكن التي يمكن أن تُعرض فيها اللوحات الأصلية ما يلي:

أولًا، المتاحف: يوجد في العديد من المتاحف حول العالم مجموعات من اللوحات الأصلية التي تُعرض بوصفها جزءًا من معارضها الدائمة، وتلك إما يملكها المتحف ذاته أو تملكها الدولة. تتنوع هذه الفئة من المتاحف الصغيرة المحلية إلى المؤسسات الدولية الكبيرة.

ثانيًا، المعارض الفنية: المعارض الفنية مساحات تجارية تعرض اللوحات الأصلية مؤقتًا وتبيعها، بالإضافة إلى أنواع أخرى من الفنون المرئية مثل المنحوتات والصور الفوتوغرافية. توجد معارض فنية في المدن حول العالم، وغالبًا ما تتميز بنشاط متواتر لمعارض فنية لفنانين كلاسيكيين وناشئين.

المجموعات الخاصة: بعض اللوحات الأصلية مملوكة لهواة الجمع الخاص الذين قد يختارون عرضها في منازلهم أو مكاتبهم. قد لا تكون هذه اللوحات متاحة للجمهور، ولكن قد يقرضونها للمعارض، قد تُعرض لمجموعة مختارة من الزوار، على سبيل المثال: مجموعة جامعة التحف المشهورة إيزابيلا ستيوارت غاردنر والتي تُعرض في قصرها في بوسطن الذي وصف بأنه متحف صغير يمارس نشاطه لأيام وأوقات محدودة في العام. 

الأماكن العامة: يمكن أيضًا عرض اللوحات الأصلية في الأماكن العامة مثل المكتبات والمدارس والمستشفيات ومراكز المجتمع الأخرى. قد يتبرع بهذه اللوحات أو يقرضها جامعو اللوحات، وقد تكون جزءًا من مجموعة فنية مفتوحة للعامة.

ختامًا، الأعمال الأصلية رمزٌ مهم وشاهدٌ جميل على التاريخ سواءٌ أكان هذا التاريخ سعيدًا أو مؤلمًا، منصفًا أو مجحفًا، قد تكون شاهدا مستفزًا ودمويًا يستحق التخلص منه مثل كل تلك المنحوتات العامة التي تم تحطيمها في الولايات الأمريكية تفاعلا مع حراك حياة السود مهمة (Black Lives Matter)، أو شاهدًا متحيزًا يستحق التخلص من تراثه الفكري مثل كل تلك الأعمال الفنية التي حبست النساء في شكلٍ جميل للتحديق بهن وهمّشت كل أدوارهن الأخرى في الحياة، أو شاهدًا شاعريًا مثل تلك اللوحات التي صورت عذوبة الحب والعائلة والوطن. فالأصالة شاهدُ حق، وشاهد الحق جميل دائمًا.  

 

 

 

المنشورات ذات الصلة

featured
Sart
Sart
·17-12-2023

شاعريّة المكان بين التّجلّي والتّخلّي: واقعيّة طه حسين وسرياليّة سلفادور دالي

featured
Sart
Sart
·20-12-2023

البراديغم الجماليّ

featured
Sart
Sart
·17-01-2024

سارت: أفقٌ رحب للفنون والجماليّات

featured
Sart
Sart
·23-01-2024

الفنّ التشكيلي الفلسطيني: ثوب كنعاني يحاول الاحتلال تمزيقه